[ 90 ]

ومن خطبة له (عليه السلام)
[وتشتمل على قِدم الخالق وعظم مخلوقاته، ويختمها بالوعظ]
[الْحَمْدُ للهِ] الْمَعْرُوفِ مِنْ غَيْرِ رُؤْيَة، الْخَالِقِ مِنْ غَيْرِ رَوِيَّة[1]، الَّذِي لَمْ يَزَلْ قَائِماً دَائِماً; إِذْ لاَ سَمَاءٌ ذَاتُ أَبْرَاج، وَلاَ حُجُبٌ ذَاتُ إِرْتَاج[2]، وَلاَ لَيْلٌ دَاج[3]، وَلاَ بَحْرٌ سَاج[4]، وَلاَ جَبَلٌ ذُوفِجَاج[5]، وَلاَ فَجٌّ ذُواعْوِجَاج، وَلاَ أَرْضٌ ذَاتُ مِهَاد[6]، وَلاَ خَلْقٌ ذُوااعْتَِماد[7]: ذلِكَ مُبْتَدِعُ الْخَلْقِ[8]  وَوَارِثُهُ[9]، وَإِلهُ الْخَلْقِ وَرَازِقُهُ، وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ دَائِبَانِ[10] فِي مَرْضَاتِهِ: يُبْلِيَانِ كُلَّ جَدِيد، وَيُقَرِّبَانِ كُلَّ بَعِيد.
قَسَمَ أَرْزَاقَهُمْ، وَأَحْصَى آثَارَهُمْ وَأَعْمَالَهُمْ، وَعَدَدَ أنْفاسَهُمْ، وَخَائِنَةَ أعْيُنِهِمْ[11] وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ مِنَ الضَّمِيرِ، وَمُسْتَقَرَّهُمْ وَمُسْتَوْدَعَهُمْ مِنَ الاَْرْحَامِ وَالظُّهُورِ، إِلَى أَنْ تَتَنَاهَى بِهِمُ الْغَايَاتُ.
هُوَ الَّذِي اشْتَدَّتْ نِقْمَتُهُ[12] عَلَى أَعْدَائِهِ فِي سَعَةِ رَحْمَتِهِ، وَاتَّسَعَتْ رَحْمَتُهُ لاَِوْلِيَائِهِ فِي شِدَّةِ نِقْمَتِهِ، قَاهِرُ مَنْ عَازَّهُ[13]، وَمُدَمِّرُ مَنْ شَاقَّهُ[14]، وَمُذِلُّ مَنْ نَاوَاهُ[15]، وَغَالِبُ مَنْ عَادَاهُ.
مَنْ تَوَكَّلَ عَلَيْهِ كَفَاهُ، وَمَنْ سَأَلَهُ أَعْطَاهُ، وَمَنْ أَقْرَضَهُ قَضَاهُ[16]، وَمَنْ شَكَرَهُ جَزَاهُ.
عِبَادَ اللهِ، زِنُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُوزَنُوا، وَحَاسِبُوهَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تُحَاسَبُوا، وَتَنَفَّسُوا قَبْلَ ضِيقِ الْخِنَاقِ، وَانْقَادُوا قَبْلَ عُنْفِ السِّيَاقِ[17]، وَاعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ لَمْ يُعَنْ عَلَى نَفْسِهِ[18] حَتَّى يَكُونَ لَهُ مِنْهَا وَاعِظٌ وَزَاجِرٌ، لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْ غَيْرِهَا زَاجِرٌ وَلاَ وَاعِظٌ.


[1] روية: فكر، وامعان نظر، وأصلها الهمز، لقولك: رأوت في الامر.
[2] الارتاج: جمع رَتَج ـ بالتحريك ـ وهو الباب العظيم.
[3] الداجي: المظلم.
[4] الساجي: الساكن.
[5] الفِجاج: جمع فَجّ، وهو الطريق الواسع بين جبلين.
[6] المِهاد ـ بزنة كتاب ـ: الفِراش.
[7] الخَلق: بمعنى المخلوق; ذواعتماد: أي بطش وتصرف بقصد وإرادة.
[8] مُبْتدع الخلق: منشئه من العدم المحض.
[9] وارثُهُ: الباقي بعده.
[10] دائبان: تثنية دائب، وهو المُجِدّ المجتهد، وصفهما بذلك لتعاقبهما على حال واحدة لايفتران ولا يسكنان.
[11] خائنة الاعين: ما يسارق من النظر إلى ما لا يحل.
[12] النقمة: الغضب، ويجوز نَقِمَة ونِقْمَة على وزن كلِمَة وكِلْمَة.
[13] عَازّه ـ بالتشديد ـ: رامَ مشاركته في شيء من عزته; غالبه.
[14] شاقّه: نازَعَه.
[15] نَاوَأه: خالفه وهي مهموزة، إلاّ أنّها سُهّلت لتشاكل «عاداه».
[16] مَنْ أقْرَضَهُ قضاه: جعل تقديم العمل الصالح بمنزلة القرض، والثواب عليه بمنزلة قضاء الدين إظهاراً لتحقق الجزاء على العمل، قال تعالى: (مَنْ ذَا الذي يُقْرِضُ الله قرضاً حسناً فيضاعفَهُ له أضعافاً كثيرة)
[17] العُنْف ـ بضم فسكون ـ: ضد الرفق، ويقال: عَنُفَ عليه، وعَنُفَ به ـ من باب كرم فيهما ـ وأصل العنيف الذي لا رفق له بركوب الخيل، وجمعه عُنُف. والسياق هنا مصدر ساق يسوق.
[18] مَنْ لم يُعَنْ على نفسه ـ مبني للمجهول ـ أي: من لم يساعده الله على نفسه حتى يكون لها من وجدانها منبه لم ينفعه تنبيه غيره.