الْحِجَازِ رَحيِبَ الصَّدْرِ بِحَمْلِهِ، غَيْرَ مُتَأَثِّم(1) مِنْ أَخْذِهِ، كَأَنَّكَ ـ لاَ أَبَا لِغَيْرِكَ(2) ـ حَدَرْتَ(3) إِلَى أَهْلِكَ تُرَاثَكَ(4) مِنْ أَبِيكَ وَأُمِّكَ، فَسُبْحَانَ اللهِ! أَمَا تُؤْمِنُ بِالْمَعَادِ؟ أَوَ مَا تَخَافُ نِقَاشَ(5) الْحِسَابِ!
أَيُّهَا الْمَعْدُودُ ـ كَانَ ـ عِنْدَنَا مِنْ ذَوِي الاَْلْبَابَ، كَيْفَ تُسِيغُ(6) شَرَاباً وَطَعَاماً، وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّكَ تَأْكُلُ حَرَاماً، وَتَشْرَبُ حَرَاماً، وَتَبْتَاعُ الاِْمَاءَ وَتَنْكِحُ النِّسَاءَ مِنْ مَالِ الْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْـمُجَاهِدِينَ، الَّذِينَ أَفَاءَ اللهُ عَلَيْهِمْ هذِهِ الاَْمْوَالَ، وَأَحْرَزَ بِهِمْ هذِهِ الْبِلاَدَ؟!
فَاتَّقِ اللهَ، وَارْدُدْ إِلَى هؤُلاَءِ الْقَوْمِ أمَوَالَهُمْ، فإِنَّكَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ ثُمَّ أَمْكَنَنِي
____________
1. التأثّم: التحرّز من الاثم، بمعنى الذنب.
2. لاأبَا لغيرك: عبارة تقال للتوبيخ مع التحامي من الدعاء على من يناله التقريع.
3. حَدَرْتَ اليهم: أسرعت إليهم.
4. تراث: ميراث.
5. النقاش ـ بالكسر ـ: المناقشة، بمعنى الاستقصاء في الحساب.
6. تُسيغ: تبلع بسهولة.
اللهُ مِنْكَ لاَُعْذِرَنَّ إِلَى اللهِ فِيكَ(1)، وَلاََضْرِبَنَّكَ بِسَيْفِي الَّذِي مَا ضَرَبْتُ بِهِ أَحَداً إِلاَّ دَخَلَ النَّارَ!
وَ وَاللهِ لَوْ أَنَّ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ فعَلاَ مِثْلَ الَّذِي فَعَلْتَ، مَا كَانَتْ لَهُمَا عِنْدِي هَوَادَةٌ(2)، وَلاَ ظَفِرَا مِنِّي بَإِرَادَة، حَتَّى آخُذَ الْحَقَّ مِنْهُمَا، وَأُزِيحَ الْبَاطِلَ عَنْ مَظْلَمَتِهِمَا.
وَأُقْسِمُ بِاللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ مَا يَسُرُّنِي أَنَّ مَا أَخَذْتَهُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ حَلاَلٌ لِي، أَتْرُكُهُ مِيرَاثاً لِمَنْ بَعْدِي، فَضَحِّ رُوَيْداً(3)، فَكَأنَّكَ قَدْ بَلَغَتَ الْمَدَى(4)، وَدُفِنْتَ تَحْتَ الثَّرَى(5)، وَعُرِضَتْ عَلَيْكَ أَعْمَالُكَ بِالْـمَحَلِّ الَّذِي يُنَادِي الظَّالِمُ فِيهِ بِالْحَسْرَةِ، وَيَتَمَنَّى الْمُضَيِّعُ الرَّجْعَةَ، (وَلاَتَ حِينَ مَنَاص)(6)! وَالسَّلامُ.
____________
1. لاعْذرنّ إلى الله فيك: أي لاعاقبنك عقاباً يكون لي عذراً عندالله من فعلتك هذه.
2. الهَوَادَة ـ بالفتح ـ: الصلح واختصاص شخص ما بميل اليه وملاطفة له.
3. ضَحِّ: من ضحيت الغنم: إذا رعيتها في الضحى، أي فارعَ نفسك على مهل.
4. المَدَى ـ بالفتح ـ: الغاية.
5. الثرى: التراب.
6. لاتَ حين مناص أي: ليس الوقت وقت فرار.
[ 42 ]
وكان عامله على البحرين، فعزله، واستعمل النعمان بن عجلان الزّرقي مكانه:
أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي قَدْ وَلَّيْتُ النُعْمَانَ بْنَ عَجْلاَنَ الزُّرَقيَّ عَلَى الْبَحْرَيْنِ، وَنَزَعْتُ يَدَكَ، بِلاَ ذَمٍّ لَكَ، وَلاَ تَثْرِيب(1) عَلَيْكَ، فَلَقَدْ أَحْسَنْتَ الْوِلاَيَةَ، وَأَدَّيْتَ الاَْمَانَةَ، فَأَقْبِلْ غَيْرَ ظَنِين(2)، وَلاَ مَلُوم، وَلاَ مُتَّهَم، وَلاَ مَأْثُوم، فَقَدْ أَرَدْتُ الْمَسِيرَ إِلَى ظَلَمَةِ(3) أَهْلِ الشَّامِ، وَأَحْبَبْتُ أَنْ تَشْهَدَ مَعِي، فَإِنَّكَ مِمَّنْ أَسْتَظْهِرُ بِهِ(4) عَلَى جِهَادِ الْعَدُوِّ، وَإِقَامَةِ عَمُودِ الدِّيِنِ، إِنْ شَاءَ اللهُ.
____________
1. التثريت: اللوم.
2. الظنين: المتهم، وفي التنزيل: (وما هو على الغيب بظنين)
3. الظَلَمَة ـ بالتحريك ـ: جمع ظالم.
4. أستظهر به: أستعين.
ومن كتاب له (عليه السلام)
إلى عمر بن أبي سلمة المخزوميالصفحة 673
![]()
| قوله (عليه السلام): "كَالْوَاغِلِ الْمُدَفّعِ" الواغلُ: هوالذي يهجم على الشّرْب ليشرب معهم وَليس منهم، فلا يزال مُدفّعاً محاجزاً. و"النّوْط المُذَبْذَب": هو ما يناط برحل الراكب من قعب أو قدح أو ما أشبه ذلك، فهو أبداً يتقلقل إذا حث ظهره واستعجل سيره. |
[ 45 ]
ومن كتاب له (عليه السلام)
إلى عثمان بن حنيف الانصاري
وهو عامله على البصرة، وقد بلغه أنه دعي إلى وليمة قوم من أهلها، فمضى إليهم
أَمَّا بَعْدُ، يَابْنَ حُنَيْف، فَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ رَجُلاً مِنْ فِتْيَةِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ دَعَاكَ إلى مَأْدُبَة(1)، فَأَسْرَعْتَ إِلَيْهَا، تُسْتَطَابُ لَكَ(2) الاَْلْوَانُ(3)، وَتُنْقَلُ إِلَيْكَ الْجِفَانُ(4)، وَمَا ظَنَنْتُ أَنَّكَ تُجِيبُ إِلى طَعَامِ قَوْم، عَائِلُهُمْ(5) مَجْفُوٌّ(6)،
____________
1. المأدبة ـ بفتح الدال وضمها ـ: الطعام يصنع لدعوة أو عرس.
2. تُستَطاب لك: يطلب لك طيبها.
3. الالوان: المراد هنا أصناف الطعام.
4. الجِفان ـ بكسر الجيم ـ: جمع جفنة وهي القصعة.
5. عائلهم: محتاجهم.
6. مجفو: أي مطرود، من الجفاء.
وَغَنِيُّهُمْ مَدْعُوٌّ.
فَانْظُرْ إِلَى مَا تَقْضَمُهُ(1) مِنْ هذَ الْمَقْضَمِ، فَمَا اشْتَبَهَ عَلَيْكَ عِلْمُهُ فَالْفِظْهُ(2)، وَمَا أَيْقَنْتَ بِطِيبِ وُجُوهِهِ فَنَلْ مِنْهُ.
أَلاَ وَإِنَّ لِكُلِّ مَأمُوم إِمَاماً، يَقْتَدِي بِهِ، وَيَسْتَضِيءُ بِنُورِ عِلْمِهِ.
أَلاَ وَإِنَّ إِمَامَكُمْ قَدِ اكْتَفَى مِنْ دُنْيَاهُ بِطِمْرَيْهِ(3)، وَمِنْ طُعْمِهِ(4) بِقُرْصَيْهِ(5).
أَلاَ وَإِنَّكُمْ لاَ تَقْدِرُونَ عَلَى ذلِكَ، وَلكِنْ أَعِينُوني بِوَرَع وَاجْتِهَاد، [وَعِفَّة وَسَدَاد](6).
____________
1. قَضِمَ ـ كسمع ـ: أكل بطرف أسنانه، والمراد الاكل مطلقاً، والمَقْضَم ـ كمقعد ـ: المأكل.
2. ألفظه: أطرحه.
3. الطِمْر ـ بالكسر ـ: الثوب الخلق البالي.
4. طُعْمه ـ بضم الطاءـ: ما يطعمه ويفطر عليه.
5. قُرْصَيْه: تثنية قرص، وهو الرغيف.
6. السداد: التصرف الرشيد، وأصله الثواب والاحتراز من الخطأ.
فَوَاللهِ مَا كَنَزْتُ مِنْ دُنْيَاكُمْ تِبْراً(1)، وَلاَ ادَّخَرْتُ مِنْ غَنَائِمِهَا وَفْراً(2)، وَلاَ أَعْدَدْتُ لِبَالِي ثَوْبِي طِمْراً(3).
بَلَى! كَانَتْ في أَيْدِينَا فَدَكٌ مِنْ كلِّ مَا أَظَلَّتْهُ السَّماءُ، فَشَحَّتْ عَلَيْهَا نُفُوسُ قَوْم، وَسَخَتْ عَنْهَا نُفُوسُ آخَرِينَ، وَنِعْمَ الْحَكَمُ اللهُ.
وَمَا أَصْنَعُ بِفَدَك(4) وَغَيْرِ فَدَك، وَالنَّفْسُ مَظَانُّهَا(5) فِي غَد جَدَثٌ(6)، تَنْقَطِعُ فِي ظُلْمَتِهِ آثَارُهَا، وَتَغِيبُ أَخْبَارُهَا، وَحُفْرَةٌ لَوْ زِيدَ فِي فُسْحَتِهَا، وَأَوْسَعَتْ يَدَا حَافِرِهَا، لاََضْغَطَهَا(7) الْحَجَرُ وَالْمَدَرُ(8)، وَسَدَّ فُرَجَهَا(9) التُّرَابُ
____________
1. التِبْر ـ بكسر فسكون ـ: فُتات الذهب والفضة قبل أن يصاغ.
2. الوَفْر: المال.
3. الطِمْر: الثوب البالي، وقد سبق قريباً، والثوب هنا عبارة عن الطمرين، فان مجموع الرداء والازار يعد ثوباً واحداً، فبهما يكسى البدن لا بأحدهما.
4. فَدَك ـ بالتحريك ـ: قرية لرسول الله(صلى الله عليه وآله)، وكان صالح أهلها على النصف من نخيلها بعد خيبر; وإجماع الشيعة على أنه كان أعطاها فاطمة(عليها السلام) قبل وفاته، إلاّ أن أبابكر سلبها من يدها غصباً.
5. المظانّ: جمع مظنة وهوالمكان الذي يظنّ فيه وجود الشيء.
6. جَدَث ـ بالتحريك ـ أي: قبر.
7. أضْغَطَها: جعَلها من الضيق بحيث تضغط وتعصر الحال فيها.
8. المَدَر ـ جمع مَدَرة مثل قَصَب وقصبة ـ: وهو التراب المتلبد، أو قطع الطين.
9. فُرَجها ـ جمع فُرْجَة مثال غُرَف و غُرفة ـ: كل منفرج بين شيئين.
الْمُتَرَاكِمُ، وَإِنَّمَا هِيَ نَفْسِي أَرُوضُهَا(1) بِالتَّقْوَى لِتَأْتِيَ آمِنَةً يَوْمَ الْخَوْفِ الاَْكْبَرِ، وَتَثْبُتَ عَلَى جَوَانِبِ الْمَزْلَقِ(2).
وَلَوْ شِئْتُ لاَهْتَدَيْتُ الطَّرِيقَ، إِلَى مُصَفَّى هذَا الْعَسَلِ، وَلُبَابِ هذَا الْقَمْحِ، وَنَسَائِجِ هذَا الْقَزِّ(3)، وَلكِنْ هَيْهَاتَ أَنْ يَغْلِبَنِي هَوَايَ، وَيَقُودَنِي جَشَعِي(4) إِلَى تَخَيُّرِ الاَْطْعِمَةِ ـ وَلَعَلَّ بِالْحِجَازِ أَوِ بِالْـيَمَامَةِ مَنْ لاَطَمَعَ لَهُ فِي الْقُرْصِ(5)، وَلاَ عَهْدَ لَهُ بِالشِّبَعِ ـ أَوْ أَبِيتَ مِبْطَاناً وَحَوْلِي بُطُونٌ غَرْثَى(6)وَأَكْبَادٌ حَرَّى(7)، أَوْ أَكُونَ كَمَا قَالَ الْقَائِلُ:
____________
1. أرُوضُها: أذلّلها.
2. المزلق ومثله المزلقة: موضع الزلل، وهو المكان الذى يخشى فيه أن تزل القدمان، والمراد هنا الصراط.
3. القزّ: الحرير.
4. الجشع: شدة الحرص.
5. القُرْص: الرغيف.
6. بطون غرثى: جائعة. 7. أكباد حرّى ـ مؤنث حران ـ أي: عطشان.
أَأَقْنَعُ مِنْ نَفْسِي بِأَنْ يُقَالَ: أَمِيرُالْمُؤْمِنِينَ، وَلاَ أُشَارِكُهُمْ فِي مَكَارِهِ الدَّهْرِ، أَوْ أَكُونَ أُسْوَةً لَهُمْ فِي جُشُوبَةِ(3) الْعَيْشِ! فَمَا خُلِقْتُ لِيَشْغَلَنِي أَكْلُ الطَّيِّبَاتِ، كَالْبَهِيمَةِ الْمَرْبُوطَةِ هَمُّهَا عَلَفُهَا، أَوِ الْمُرْسَلَةِ شُغُلُهَا تَقَمُّمُهَا(4)، تَكْتَرِشُ(5) مِنْ أَعْلاَفِهَا(6)، وَتَلْهُو عَمَّا يُرَادُ بِهَا، أَوْ أُتْرَكَ سُدىً، أَوْ أُهْمَلَ عَابِثاً، أَوْ أَجُرَّ حَبْلَ الضَّلاَلَةِ، أَوْ أَعْتَسِفَ(7) طَرِيقَ الْمَتَاهَةِ(8)!
____________
1. البِطْنَة ـ بكسر الباء ـ: البطر والاشر.
2. القِدّ ـ بالكسر ـ: سير من جلد غير مدبوغ.
3. الجُشوبة: الخشونة، وتقول: جشب الطعام ـ كنصر وسمع ـ فهو جَشْب، وجَشِب كشهم وبطر، وجشيب ومِجْشاب ومجشوب أي غَلُظَ فهو غليظ.
4. تقمّمها: التقاطها للقمامة، أي الكناسة.
5. تكترش: تملا كرشها.
6. الاعلاف ـ جمع علف ـ: ما يهيأ للدابة لتأكله.
7. اعْتَسف: ركب الطريق على غير قصد.
8. المَتاهة: موضع الحيرة.
وَكَأَنِّي بِقَائِلِكُمْ يَقُولُ: إِذَا كَانَ هذَا قُوتُ ابْنِ أَبِي طَالِب، فَقَدْ قَعَدَ بِهِ الضَّعْفُ عَنْ قِتَالِ الاَْقْرَانِ وَمُنَازَلَةِ الشُّجْعَانِ.
أَلاَ وَإِنَّ الشَّجَرَةَ الْبَرِّيَّةَ(1) أَصْلَبُ عُوداً، وَالْرَّوَائِعَ الْخَضِرَةَ(2) أَرَقُّ جُلُوداً، وَالنَّابِتَاتِ العِذْيَةَ(3) أَقْوَى وَقُوداً(4)، وَأَبْطَأُ خُمُوداً، وَأَنَا مِنْ رَسُولِ اللهِ(صلى الله عليه وآله)كَالصِّنْوِ مِنَ الصِّنْوِ(5)، وَالذِّرَاعِ مِنَ الْعَضُدِ(6).
وَاللهِ لَوْ تَظَاهَرَتِ الْعَرَبُ عَلَى قِتَالِي لَمَا وَلَّيْتُ عَنْهَا، وَلَوْ أَمْكَنَتِ الْفُرَصُ مِنْ رِقَابِهَا لَسَارَعْتُ إِلَيْهَا،سَأَجْهَدُ(7) فِي أَنْ أُطَهِّرَ الاَْرضَ مِنْ هذَا الشَّخْصِ
____________
1. الشجرة البريّة: التي تنبت في البر الذي لا ماء فيه.
2. الرَوَائِع الخَضِرة: الاشجار والاعشاب الغضة الناعمة التي تنبت في الارض الندية.
3. النابتات العِذْية: التي تنبت عذياً، والعِذْي ـ بسكون الذال ـ: الزرع لايسقيه إلاّ ماء المطر.
4. الوَقود: اشتعال النار.
5. الصنوان: النخلتان يجمعهما أصل واحد.
6. الذراع من العضد: شبه الامام نفسه من الرسول بالذراع الذي أصله العضد، كناية عن شدة الامتزاج والقرب بينهما.
7. جَهَدَ ـ كمنع ـ: جد.
الْمَعْكُوسِ، وَالْجِسْمِ الْمَرْكُوسِ(1)، حَتَّى تَخْرُجَ الْمَدَرَةُ(2) مِنْ بَيْنِ حَبِّ الْحَصِيدِ(3).
إِلَيْكَ عَنِّي(4) يَا دُنْيَا، فَحَبْلُكِ عَلَى غَارِبِكِ(5)، قَدِ انْسَلَلْتُ مِنْ مَخَالِبِكِ(6)، وَأَفْلَتُّ مِنْ حَبَائِلِكِ(7)، وَاجْتَنَبْتُ الذَّهَابَ فِي مَدَاحِضِكِ(8).
أَيْنَ الْقُرُونُ الَّذِينَ غَرَرْتِهِمْ بَمَدَاعِبِكَ(9)؟! أَيْنَ الاُْمَمُ الَّذِينَ فَتَنْتِهِمْ
____________
1. المركوس: من الركس، وهو رد الشيء مقلوباً وقلب آخره على أو له، والمراد مقلوب الفكر.
2. المَدَرَة ـ بالتحريك ـ: قطعة الطين اليابس.
3. حبّ الحصيد: حب النبات المحصود كالقمح ونحوه، والمراد بخروج المدرة من حبّ الحصيد: أنه يطهر المؤمنين من المخالفين.
4. اليْكِ عني: اذهبي عني.
5. الغارِب: مابين السَنام والعنق، وقوله (عليه السلام) للدنيا: "حبلك على غاربك" والجملة تمثيل لتسريحها تذهب حيث شاءت.
6. انسَلّ من مخالبها: لم يعلق به شيء من شهواتها.
7. الحابئل: جمع حِبالة وهي شبكة الصياد.
8. المداحض: المساقط والمزالق.
9. المَدَاعب ـ جمع مَدْعَبة ـ: من الدعابة، وهي المزاح.
بِزَخَارِفِكِ؟! هَاهُمْ رَهَائِنُ الْقُبُورِ، وَمَضَامِينُ اللُّحُودِ(1).
وَاللهِ لَوْ كُنْتِ شَخْصاً مَرْئِيّاً، وَقَالَباً حِسِّيّاً، لاََقَمْتُ عَلَيْكِ حُدُودَ اللهِ فِي عِبَاد غَرَرْتِهِمْ بِالاَْمَانِي، وَأُمَم أَلْقَيْتِهِمْ فِي الْمَهَاوِي(2)، وَمُلُوك أَسْلَمْتِهِمْ إِلَى التَّلَفِ، وَأَوْرَدْتِهِمْ مَوَارِدَ الْبَلاَءِ، إِذْ لاَ وِرْدَ(3) وَلاَ صَدَرَ(4)!
هَيْهَاتَ! مَنْ وَطِىءَ دَحْضَكِ(5) زَلِقَ(6)، وَمَنْ رَكِبَ لُجَجَكِ غَرِقَ، وَمَنِ ازْوَرَّ(7) عَنْ حَبَائِلِكِ وُفِّقَ، وَالسَّالِمُ مِنْكِ لاَيُبَالِي إِنْ ضَاقَ بِهِ مُنَاخُهُ(8)،
____________
1. مضامين الّحُود: أي الذين تضمنتهم القبور.
2. المهاوي ـ جمع مهوى ـ: مكان السقوط، وهو من هوى يهوي.
3. الوِرْد ـ بكسر الواوـ: ورود الماء.
4. الصَدَر ـ بالتحريك ـ: الصدور عن الماء بعد الشرب.
5. مكان دَحْض ـ بفتح فسكون ـ أي: زلق لا تثبت فيه الارجل.
6. زلق: زلّ وسقط.
7. ازوَرّ: مال وتنكب.
8. مُنَاخه: أصله مبرك الابل، من أناخ يُنِيخ، والمراد به هنا: مُقامه.
وَالدُّنْيَا عِنْدَهُ كَيَوْم حَانَ(1) انْسِلاَخُهُ(2).
اعْزُبِي(3) عَنِّي! فَوَاللهِ لاَ أَذِلُّ لَكِ فَتَسْتَذِلِّينِي، وَلاَ أَسْلَسُ(4) لَكِ فَتَقُودِينِي.
وَايْمُ اللهِ ـ يَمِيناً أسْتَثْنِي فِيهَا بِمَشِيئَةِ اللهِ عَزَّوَجَلّ ـ لاََرُوضَنَّ نَفْسِي رِيَاضَةً تَهشُّ(5) مَعَها إِلَى الْقُرْصِ إِذَا قَدَرتْ عَلَيْهِ مَطْعُوماً، وَتَقْنَعُ بِالْمِلْحِ مَأْدُوماً(6); وَلاََدَعَنَّ(7) مُقْلَتِي(8) كَعَيْنِ مَاء، نَضَبَ(9) مَعِينُهَا(10)،
____________
1. حان: حضر.
2. انسلاخه: زواله.
3. عزب يعزب: أي بَعُد.
4. لا أسلس: أي لا أنقاد.
5. تهشّ إلى القُرص: تنبسط إلى الرغيف وتفرح به من شدة ما حرمته.
6. مأدوماً: حال من الملح، أي مأدوماً به الطعام.
7. لادَعَنّ: لاتْرُكَنّ.
8. مقلتي: عيني.
9. نَضَب: غار.
10. مَعِينها ـ بفتح فكسر ـ: ماؤها الجاري.
مُسْتَفْرِغَةً دُمُوعَهَا.
أَتَمْتَلِىءُ السَّائِمَةُ(1) مِنْ رِعْيِهَا(2) فَتَبْرُكَ؟ وَتَشْبَعُ الرَّبِيضَةُ(3) مِنْ عُشْبِهَا فَتَرْبِضَ(4)؟ وَيَأْكُلُ عَلِيٌّ مِنْ زَادِهِ فَيَهْجَعَ(5)؟ قَرَّتْ إِذاً عَيْنُهُ(6) إِذَا اقْتَدَى بَعْدَ السِّنِينَ الْمُتَطَاوِلَةِ بِالْبَهِيمَةِ الْهَامِلَةِ(7)، وَالسَّائِمَةِ الْمَرْعِيَّةِ!
طُوبَى لِنَفْس أَدَّتْ إِلَى رَبِّهَا فَرْضَهَا، وَعَرَكَتْ بِجَنْبِهَا بُؤْسَهَا(8)،
____________
1. السائمة: الانعام التي تسرح.
2. رِعْيها ـ بكسر الراء ـ: الكلا.
3. الربيضة: الغنم مع رعاتها إذا كانت في مرابضها.
4. الربوض للغنم: كالبروك للابل.
5. يهجع: أي يسكن كما سكنت الحيوانات بعد طعامها.
6. قَرّت عينه: دعاء على نفسه ببرود العين ـ أي جمودها ـ من فقد الحياة.
7. الهاملة: المتروكة، والهَمْل من الغنم ترعى نهاراً بلا راع.
8. البؤس: الضر، وعرك البؤس بالجنب: الصبر عليه كأنه شوك فيسحقه بجنبه.
وَهَجَرَتْ فِي اللَّيْلِ غُمْضَهَا(1)، حَتَّى إِذَا غَلَبَ الْكَرَى(2) عَلَيْهَا افْتَرَشَتْ أَرْضَهَا(3)، وَتَوَسَّدَتْ كَفَّهَا(4)، فِي مَعْشَر أَسْهَرَ عُيُونَهُمْ خَوْفُ مَعَادِهِمْ، تَجَافَتْ(5) عَنْ مَضَاجِعِهِمْ(6) جُنُوبُهُمْ، وَهَمْهَمَتْ(7) بِذِكْرِ رَبِّهِم شِفَاهُهُمْ، وَتَقَشَّعَتْ(8) بِطُولِ اسْتِغْفَارِهِم ذُنُوبُهُمْ [(أُولئِكَ حِزْبُ الله، أَلاَ إِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)
فَاتَّقِ اللهَ يَابْنَ حُنَيْف، وَلْتَكْفُفْ أَقْرَاصُكَ(9)، لِيَكُونَ مِنْ النَّارِ خَلاَصُكَ].
____________
1. الغُمْض ـ بالضم ـ: النوم.
2. الكَرَى ـ بالفتح ـ: النعاس.
3. افْتَرَشَت أرضها: لم يكن لها فراش.
4. توسّدَت كفها: جعلته كالوسادة.
5. تجافت: تباعدت ونأت.
6. مضاجع ـ جمع مضجع ـ: موضع النوم.
7. الهمهمة: الصوت الخفي يتردد في الصدر.
8. تَقَشّعَت جنوبهم: انحلّت وذهبت كما يتقشع الغمام.
9. وَلْتَكْفُفْ أَقْرَاصُكَ: كأن الامام يأمر الاقراص ـ أي الارغفة ـ بالكفّ ـ أي الانقطاع ـ عن ابن حنيف، والمراد أمر ابن حنيف بالكفّ عنها استعفافاً، ورفع "أقراصك" على الفاعلية أبلغ من نصبها على المفعولية.
[ 46 ]
أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّكَ مِمَّنْ أَسْتَظْهِرُ بِهِ(1) عَلَى إِقَامَةِ الدِّينِ، وَأَقْمَعُ(2) بِهِ نَحْوَةَ(3) الاَْثِيمِ(4)، وَأَسُدُّ بِهِ لَهَاةَ(5) الثَّغْرِ(6) الْـمَخُوفِ(7).
فَاسْتَعِنْ بِاللهِ عَلَى مَا أَهَمَّكَ، وَاخْلِطِ الشِّدَّةَ بِضِغْث(8) مِنَ اللِّينِ، وَارْفُقْ مَا كَانَ الرِّفْقُ أَرْفَقَ، وَاعْتَزِمْ بِالشِّدَّةِ حِينَ لاَ تُغْنِي عَنْكَ إِلاَّ الشِّدَّةُ، وَاخْفِضْ
____________
1. أستظهر به: أستعين به.
2. واقمع: أي اكسر.
3. النخوة ـ بالفتح ـ: الكِبْر.
4. الاثيم: فاعل الخطايا والاثام.
5. اللهاة: قطعة لحم مدلاة في سقف الفم على باب الحلق، قرنها بالثغر تشبيهاً له بفم الانسان.
6. الثَغْر: المكان الذي يظن طروق الاعداء له على الحدود.
7. المَخُوف: الذي يخشى جانبه ويرهب.
8. ضِغْث: خلط، أي شيء تخلط به الشدة باللين.
لِلرَّعِيَّةِ جَنَاحَكَ، وَابْسِطْ لَهُمْ وَجْهَكَ وَأَلِنْ لَهُمْ جَانِبَكَ، وَآسِ(1) بَيْنَهُمْ فِي اللَّحْظَةِ وَالنَّظْرَةِ، وَالاِْشَارَةِ وَالتَّحِيَّةِ، حَتَّى لاَ يَطْمَعَ الْعُظَمَاءُ فِي حَيْفِكَ(2)، وَلاَ يَيْأَسَ الضُّعَفَاءُ مِنْ عَدْلِكَ، وَالسَّلاَمُ.
[ 47 ]
أُوصِيكُمَا بِتَقْوَى اللهِ، وَأنْ لاَ تَبْغِيَا الدُّنْيَا وَإِنْ بَغَتْكُمَا(3)، وَلاَ تَأْسَفَا عَلَى شَيْء مِنْهَا زُوِيَ(4) عَنْكُمَا، وَقُولاَ بِالْحَقِّ، وَاعْمَلاَ لِلاَْجْرِ، وَكُونَا لِلظَّالِمِ خَصْماً، وَلِلْمَظْلُومِ عَوْناً.
أُوصِيكُمَا، وَجَمِيعَ وَلَدِي وَأَهْلِي وَمَنْ بَلَغَهُ كِتَابِي، بِتَقْوَى اللهِ، وَنَظْمِ أَمْرِكُمْ، وَصَلاَحِ ذَاتِ بَيْنِكُمْ، فَإِنِّي سَمِعْتُ جَدَّكُمَا ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ [وَآلِهِ ]
____________
1. آس: أي شارك بينهم واجعلهم سواء.
2. حتى لا يطمع العظماء في حيفك: أي حتى لايطمعوا في أن تمالئهم على هضم حقوق الضعفاء، وقد تقدم مثل هذا.
3. لاتَبْغِيا الدنيا وإن بَغَتْكُما: لاتطلباها وإن طلبتكما.
4. زُوِيَ: أي قُبِض ونحي عنكما.
وَسَلَّمَ ـ يَقُولُ: "صَلاَحُ ذَاتِ الْبَيْنِ أَفْضَلُ مِنْ عَامَّةِ الصَّلاَةِ الصِّيَامِ".
اللهَ اللهَ فِي الاَْيْتَامِ، فَلاَ تُغِبُّوا(1) أَفْوَاهَهُمْ، وَلاَ يَضِيعُوا بِحَضْرَتِكُمْ.
وَاللهَ اللهَ فِي جِيرَانِكُمْ، فَإِنَّهُمْ وَصِيَّةُ نَبِيِّكُمْ، مَا زَالَ يُوصِي بِهِمْ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُمْ(2).
وَاللهَ اللهَ فِي الْقُرْآنِ، لاَ يَسْبِقْكُمْ بِالْعَمَلِ بِهِ غَيْرُكُمْ.
وَاللهَ اللهَ فِي الصَّلاَةِ، فَإِنَّهَا عَمُودُ دِينِكُمْ.
وَاللهَ اللهَ فِي بَيْتِ رَبِّكُمْ، لاَ تُخْلُوهُ مَا بَقِيتُمْ، فَإِنَّهُ إِنْ تُرِكَ لَمْ تُنَاظَرُوا(3).
وَاللهَ اللهَ فِي الْجِهَادِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَأَلْسِنَتِكُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ.
وَعَلَيْكُمْ بِالتَّوَاصُلِ وَالتَّبَاذُلِ(4)، وَإِيَّاكُمْ وَالتَّدَابُرَ وَالتَّقَاطُعَ.
لاَ تَتْرُكُوا الاَْمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ فَيُوَلَّى عَلَيْكُمْ أَشْرَارُكُمْ، ثُمَّ تَدْعُونَ فَلاَ يُسْتَجَابُ لَكُمْ.
____________
1. اغبّ القوم: جاءهم يوماً وترك يوماً، أي صِلوا أفواههم بالاطعام ولا تقطعوه عنها.
2. يورّثهم: يجعل لهم حقاً في الميراث.
3. لم تُنَاظَرُوا ـ مبني للمجهول ـ أي: لم ينظر اليكم بالكرامة، لا من الله، ولا من الناس، لاهمالكم فرض دينكم.
4. التباذل: مداولة البذل أي العطاء.
ثمّ قال:
يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، لاَ أُلْفِيَنَّكُمْ(1) تَخُوضُونَ دِمَاءَ الْمُسْلِمِينَ(2) خَوْضاً، تَقُولُونَ: قُتِلَ أَمِيرُالْمُؤْمِنِينَ.
أَلاَ لاَ تَقْتُلُنَّ بِي إِلاَّ قَاتِلِي.
انْظُرُوا إِذَا أَنَا مِتُّ مِنْ ضَرْبَتِهِ هذِهِ، فَاضْرِبُوهُ ضَرْبَةً بِضَرْبَة، وَلاَ يُمَثَّلُ(3) بِالرَّجُلِ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ(صلى الله عليه وآله) يَقُولُ: "إِيَّاكُمْ وَالْمُثْلَةَ(4) وَلَوْ بَالْكَلْبِ الْعَقُورِ".
[ 48 ]
وَإِنَّ الْبَغْيَ وَالزُّورَ يُوتِغَانِ الْمَرْء(5) فِي دِينِهِ وَدُنْيَاهُ، وَيُبْدِيَانِ خَلَلَهُ عِنْدَ مَنْ يَعِيبُهُ، وَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّكَ غَيْرُ مُدْرِك مَا قُضِيَ فَوَاتُهُ(6)، وَقَدْ رَامَ أَقْوَامٌ أَمْراً
____________
1. لا أَلْفِيَنّكم: لا أجدنّكم، نفي في معنى النهي.
2. تخوضون دماء المسلمين: تسفكون دماءهم، أصله خوض الماء: الدخول والمشي فيه.
3. أي: لا تمثلوا به، من التمثيل، وهو التشويه بعد القتل أو قبله بقطع الاطراف مثلاً.
4. المُثْلَة: الاسم من التمثيل، وهو التشويه الذي سبق شرحه.
5. يوتِغَان المرءَ: يهلكانه.
6. ما قضي فواته: أي ما فات منه لايدرك، والمراد دم عثمان والانتصار له، فمعاوية يعلم أنه لا يدركه، لانقضاء الامر بموت عثمان.
بِغَيْرِ الْحَقِّ، فَتَأَوَّلوا عَلَى اللهِ(1) فَأَكْذَبَهُمْ(2)، فَاحْذَرْ يَوْماً يُغْتَبطُ(3) فِيهِ مَنْ أَحْمَدَ عَاقِبَةَ عَمَلِهِ(4)، وَيَنْدَمُ مَنْ أَمْكَنَ الشَّيْطَانَ مِنْ قِيَادِهِ(5) فَلَمْ يُجَاذِبْهُ.
وَقَدْ دَعَوْتَنَا إِلَى حُكْمِ الْقُرْآنِ وَلَسْتَ مِنْ أَهْلِهِ، وَلَسْنَا إِيَّاكَ أَجَبْنَا، وَلَكِنَّا أَجَبْنَا الْقُرْآنَ إلى حُكْمِهِ، وَالسَّلاَمُ.
____________
1. تأولوا على الله: تطاولوا على أحكامه بالتأويل.
2. أكذبهم: حكم بكذبهم.
3. يغتبط: يفرح و يسرّ.
4. أحمد عاقبة عمله: وجدها حميدة.
5. أمكن الشيطان من قِياده: أي مكنه من زمامه ولم ينازعه.
[ 49 ]
أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ الدُّنْيَا مَشْغَلَةٌ عَنْ غَيْرِهَا، وَلَمْ يُصِبْ صَاحِبُهَا مِنْهَا شَيْئاً إِلاَّ
فَتَحَتْ لَهُ حِرْصاً عَلَيْهَا، وَلَهَجاً بِهَا(1)، وَلَنْ يَسْتَغْنِيَ صَاحِبُهَا بِمَا نَالَ فِيهَا عَمَّا لَمْ يَبْلُغْهُ مِنْهَا، وَمِنْ وَرَاءِ ذلِكَ فِرَاقُ مَا جَمَعَ، وَنَقْضُ مَا أَبْرَمَ!لَوِ اعْتَبَرْتَ بِمَا مَضَى حَفِظْتَ مَا بَقِيَ، وَالسَّلاَمُ.
[ 50 ]
مِنْ عَبْدِاللهِ عَلِيِّ أَمِيرِالْمُؤْمِنِينَ إِلَى أَصْحَابِ الْمَسَالِحِ(2):
أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ حَقّاً عَلَى الْوَالِي أَلاَّ يُغَيِّرَهُ عَلَى رَعِيَّتِهِ فَضْلٌ نَالَهُ، وَلاَ طَوْلٌ(3) خُصَّ بِهِ، وَأَنْ يَزِيدَهُ مَا قَسَمَ اللهُ لَهُ مِنْ نِعَمِهِ دُنُوّاً مِنْ عِبَادِهِ، وَعَطْفاً عَلَى إِخْوَانِهِ.
أَلاَ وَإِنَّ لَكُمْ عِنْدِي أَلاَّ أَحْتَجِزَ(4) دُونَكُمْ سِرّاً إِلاَّ فِي حَرْب، وَلاَ أَطْوِيَ(5) دُونَكُمْ أَمْراً إِلاَّ فِي حُكْم، وَلاَ أُؤَخِّرَ لَكُمْ حَقّاً عَنْ مَحَلِّهِ، وَلاَ ____________
1. لَهَجاً: أي ولوعاً وشدة حرص، تقول: قد لهج بالشيء ـ من باب طرب ـ إذا أُغري به فثابر عليه.
2. المسالح ـ جمع مَسْلحة ـ أى: الثغور، لانها مواضع السلاح، وأصل المَسْلَحَة: قوم ذوو سلاح.
3. الطّوْل ـ بفتح الطاء ـ: عظيم الفضل.
4. احتجز: استتر.
5. طواه عنه: لم يجعل له نصيباً فيه.
أَقِفَ بِهِ دُونَ مَقْطَعِهِ(1)، وَأَنْ تُكُونُوا عِندِي فِي الْحَقِّ سَوَاءً، فَإِذَا فَعَلْتُ ذلِكَ وَجَبَتْ لله عَلَيْكُمُ النِّعْمَةُ، وَلِي عَلَيْكُمُ الطَّاعَةُ، وَأَلاَّ تَنْكُصُوا(2) عَنْ دَعْوَة، وَلاَ تُفَرِّطُوا فِي صَلاَح، وَأَنْ تَخُوضوا الْغَمَرَاتِ(3) إِلَى الْحَقِّ، فَإِنْ أَنْتُمْ لَمْ تَسْتَقِيمُوا لِي عَلَى ذلِكَ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ أَهْوَنَ عَلَيَّ مِمَّنْ اعْوَجَّ مِنْكُمْ، ثُمَّ أُعْظِمُ لَهُ الْعُقُوبَةَ، وَلاَ يَجِدُ عِنْدِي فِيها رُخْصَةً، فَخُذُوا هذَا مِنْ أُمَرَائِكُمْ، وَأَعْطُوهُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ مَا يُصْلِحُ اللهُ بِهِ أَمْرَكُمْ.
[ 51 ]
مِنْ عَبْدِ اللهِ عَلِيّ أَمِيرِالْمُؤْمِنِينَ إِلَى أَصْحَابِ الْخَرَاجِ:
أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ مَنْ لَمْ يَحْذَرْ مَا هُوَ صَائرُ إِلَيْهِ لَمْ يُقَدِّمْ لِنَفْسِهِ مَا يُحْرِزُهَا.
وَاعْلَمُوا أَنَّ مَا كُلِّفْتُمْ يَسِيرٌ، وَأَنَّ ثَوَابَهُ كَثِيرٌ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِيَما نَهَى اللهُ عَنْهُ مِنَ الْبَغْيِ وَالْعُدْوَانِ عِقَابٌ يُخَافُ لَكَانَ فِي ثَوَابِ اجْتِنَابِهِ مَا لاَ عُذْرَ فِي تَرْكِ طَلَبِهِ.
____________
1. دون مقْطَعِه: دون الحد الذي قطع به أن يكون لكم.
2. لا تنكصوا: لا تتأخروا إذا دعوتكم.
3. الغمرات: الشدائد.
فَأَنْصِفُوا النَّاسَ مِنْ أَنْفُسِكُمْ، وَاصْبِرُوا لِحَوَائِجِهِمْ، فَإِنَّكُمْ خُزَّانُ(1) الرَّعِيَّةِ، وَوُكَلاَءُ الاُْمَّةِ، وَسُفَرَاءُ الاَْئِمَّةِ.
وَلاَ تَحْسِمُوا(2) أَحَداً عَنْ حَاجَتِهِ، وَلاَتَحْبِسُوهُ عَنْ طَلِبَتِهِ(3)، وَلاَ تَبِيعُنَّ لِلنَّاسِ فِي الْخَرَاجِ كِسْوَةَ شِتَاء وَلاَ صَيْف، وَلاَ دَابَّةً يَعْتَمِلُونَ عَلَيْهَا(4)، وَلاَ عَبداً، وَلاَ تَضْرِبُنَّ أَحَداً سَوْطاً لِمَكَانِ دِرْهَم(5)، وَلاَ تَمَسُّنَّ مَالَ أَحَد مِنَ النَّاسِ، مُصَلٍّ وَلاَ مُعَاهَد(6)، إِلاَّ أَنْ تَجِدُوا فرَساً أَوْ سِلاَحاً يُعْدى بِهِ عَلَى أَهْلِ الاِْسْلاَمِ، فَإِنَّهُ لاَ يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَدَعَ ذلِكَ فِي أَيْدِي أَعْدَاءِ الاْسْلاَم، فَيَكُونَ شَوْكَةً عَلَيْهِ.
____________
1. الخُزّان ـ بضم فزاي مشددة ـ: جمع خازن، والخُزّان يخزنون أموال الرعِيّة في بيت المال لتنفق في مصالحها.
2. لا تحسموا: لا تقطعوا.
3. الطِلبَة ـ بالكسر وبفتح الطاء واللام ـ: المطلوب.
4. دابّة يعتملون عليها: المراد أنها تلزمهم لاعمالهم في الزرع وحمل الاثقال.
5. لمكان دِرْهَم: لاجل الدراهم.
6. مُصَلٍّ وَلاَ مُعَاهَد: أراد بالمصلّي: المسلم، وبالمعاهد: الذمي الذي لابد من الوفاء بعهده.
وَلاَ تَدَّخِرُوا(1) أَنْفُسَكُمْ نَصِيحَةً، وَلاَ الْجُنْدَ حُسْنَ سِيرَة، وَلاَ الرَّعِيَّةَ مَعُونَةً، وَلاَ دِينَ اللهِ قُوَّةً، وَأَبْلُوا(2) فِي سَبيلِ اللهِ مَا اسْتَوْجَبَ عَلَيْكُمْ، فَإِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ قَدِ اصْطَنَعَ(3) عِنْدَنَا وَعِنْدَكُمْ أَنْ نَشْكُرَهُ بِجُهْدِنَا، وَأَنْ نَنْصُرَهُ بِمَا بَلَغَتْ قُوَّتُنَا، وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللهِ.
ومن كتاب له (عليه السلام)
إلى بعض عمّالهالصفحة 687
![]()
ومن وصية له
للحسن والحسين(عليهم السلام)
لما ضربه ابن ملجم لعنه اللهالصفحة 688
![]()
الصفحة 689
![]()
ومن كتاب له (عليه السلام)
إلى معاويةالصفحة 690
![]()
الصفحة 691
![]()
ومن كتاب له (عليه السلام)
إليه
ومن كتاب له (عليه السلام)
إِلى أمرائه على الجيوشالصفحة 692
![]()
ومن كتاب له (عليه السلام)
إلى عماله على الخراجالصفحة 693
![]()
الصفحة 694
![]()