إِلَى مَا يَهْجُمُونَ عَلَيْهِ(1)، وَيَصِيرُونَ إِلَيْهِ.
يَا بُنَيَّ، اجْعَلْ نَفْسَكَ مِيزَاناً فِيَما بَيْنَكَ وَبَيْنَ غَيْرِكَ، فَأَحْبِبْ لِغَيْرِكَ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ، وَاكْرَهْ لَهُ مَا تَكْرَهُ لَهَا، وَلاَ تَظْلِمْ كَمَا لاَ تُحِبُّ أَنْ تُظْلَمَ، وَأَحْسِنْ كَمَا تُحِبُّ أَنْ يُحْسَنَ إِلَيْكَ، وَاسْتَقْبِحْ مِنْ نَفْسِكَ مَا تَسْتَقْبِحُ مِنْ غَيْرِكَ، وَارْضَ مِنَ النَّاسِ بِمَا تَرْضَاهُ لَهُمْ مِنْ نَفْسِكَ، وَلاَ تَقُلْ مَا لاَ تَعْلَمُ وَإِنْ قَلَّ مَا تعْلَمُ، وَلاَ تَقُلْ مَا لاَ تُحِبُّ أَنْ يُقَالَ لَكَ.
وَاعْلَمْ، أَنَّ الاِْعْجَابَ(2) ضِدُّ الصَّوَابِ، وَآفَةُ الاَْلْبَابِ(3). فَاسْعَ فِي كَدْحِكَ(4)، وَلاَ تَكُنْ خَازِناً لِغَيْرِكَ(5)، وَإِذَا أَنْتَ هُدِيتَ لِقَصْدِكَ فَكُنْ أَخْشَعَ مَا تَكُونُ لِرَبِّكَ.
وَاعْلَمْ، أَنَّ أَمَامَكَ طَرِيقاً ذَا مَسَافَة بَعِيدَة، وَمَشَقَّة شَدِيدَة، وَأَنَّهُ لاَ غِنَى
____________
1. هجم عليه: انتهى إليه بغتة.
2. الاعجاب: استحسان ما يصدر عن النفس مطلقاً.
3. آفة: علّة. والالباب: العقول.
4. الكَدْح: أشد السعي.
5. خازناً لغيرك: تجمع المال ليأخذه الوارثون بعدك.
بِكَ فِيهِ عَنْ حُسْنِ الاِْرْتِيَادِ(1)، وَقَدْرِ بَلاَغِكَ(2) مِنَ الزَّادِ، مَعَ خِفَّةِ الظَّهْرِ، فَلاَ تَحْمِلَنَّ عَلَى ظَهْرِكَ فَوْقَ طَاقَتِكَ، فَيَكُونَ ثِقْلُ ذلِكَ وَبَالاً عَلَيْكَ، وَإِذَا وَجَدْتَ مِنْ أَهْلِ الْفَاقَةِ(3) مَنْ يَحْمِلُ لَكَ زَادَكَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَيُوَافِيكَ بِهِ غَداً حَيْثُ تَحْتَاجُ إِلَيْهِ، فَاغْتَنِمْهُ وَحَمِّلْهُ إِيَّاهُ، وَأَكْثِرْ مِنْ تَزْوِيدِهِ وَأَنْتَ قَادِرٌ عَلَيْهِ، فَلَعَلَّكَ تَطْلُبُهُ فَلاَ تَجِدُهُ، وَاغْتَنِمْ مَنِ اسْتَقْرَضَكَ في حَالِ غِنَاكَ، لِيَجْعَلَ قَضَاءَهُ لَكَ في يَوْمِ عُسْرَتِكَ.
وَاعْلَمْ، أَنَّ أمَامَكَ عَقَبَةً كَؤوداً(4)، الْـمُخِفُّ(5) فِيهَا أَحْسَنُ حَالاً مِن الْمُثْقِلِ(6)، وَالْمُبْطِىءُ عَلَيْهَا أَقْبَحُ حَالاً مِنَ الْمُسْرِعِ، وَأَنَّ مَهْبِطَهَابِكَ لاَمَحَالَةَ عَلَى جَنَّة أَوْ عَلَى نَار، فَارْتَدْ(7) لِنَفْسِكَ قَبْلَ نُزُولِكَ، وَوَطِّىءِ
____________
1. الارتياد: الطلب. وحسنه: إتيانه من وجهه.
2. البَلاَغ ـ بالفتح ـ: الكِفاية.
3. الفاقة: الفقر.
4. كؤوداً: صعبة المرتقى.
5. المُخِفّ ـ بضم فكسر ـ: الذي خفف حمله.
6. المُثْقِل: هو من أثقل ظهره بالاوزار.
7. ارْتَدِهِ: ابعث رائداً من طيبات الاعمال توقفك الثقة به على جودة المنزل.
الْمنْزِلَ قَبْلَ حُلُولِكَ، فَلَيْسَ بَعْدَ الْمَوْتِ مُسْتَعْتَبٌ(1)، وَلاَ إِلَى الدُّنْيَا مُنْصَرَفٌ(2).
وَاعْلَمْ، أَنَّ الَّذِي بِيَدِهِ خَزَائِنُ السَّموَاتِ وَالاَْرْضِ قَدْ أَذِنَ لَكَ فِي الدُّعَاءِ، وَتَكفَّلَ لَكَ بِالاِْجَابَةِ،أَمَرَكَ أَنْ تَسْأَلَهُ لِيُعْطِيَكَ، وَتَسْتَرْحِمَهُ لِيَرْحَمَكَ، وَلَمْ يَجْعَلْ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ مَنْ يَحْجُبُكَ عَنْهُ، وَلَمْ يُلْجِئْكَ إِلَى مَنْ يَشْفَعُ لَكَ إِلَيْهِ، وَلَمْ يَمْنَعْكَ إِنْ أَسَأْتَ مِنَ التَّوْبَةِ، وَلَمْ يُعَاجِلْكَ بَالنِّقْمَةِ، [وَلَمْ يُعَيِّرْكَ بِالاِْنَابَةِ(3)]، وَلَمْ يَفْضَحْكَ حَيْثُ الْفَضِيحَةُ [بِكَ أَوْلَى]، وَلَمْ يُشدِّدْ عَلَيْكَ فِي قَبُولِ الاِْنَابَةِ، وَلَمْ يُنَاقِشْكَ بِالْجَرِيمَةِ، وَلَمْ يُؤْيِسْكَ مِنَ الرَّحْمَةِ، بَلْ جَعَلَ نُزُوعَكَ(4) عَنِ الذَّنْبِ حَسَنةً، وَحَسَبَ سَيِّئَتَكَ وَاحِدَةً، وَحَسَبَ حَسَنَتَكَ عَشْراً، وَفَتحَ لَكَ بَابَ الْمَتَابِ، فَإِذَا نَادَيْتَهُ سَمِعَ نِدَاك، وَإِذَا نَاجَيْتَهُ عَلِمَ نَجْوَاكَ(5)،
____________
1. المُسْتَعْتَب: مصدر ميمي من استعتب، والاستعتاب: الاسترضاء، والمراد أن الله لا يسترضي بعد إغضابه إلاّ باستئناف العمل.
2. المُنْصَرَف: مصدر ميمي من انصرف، والمراد لا انصراف إلى الدنيا بعد الموت.
3. الانابة: الرجوع إلى الله.
4. نُزوعك: رجوعك.
5. المُنَاجاة: المكالمة سراً.
فَأَفْضَيْتَ(1) إِلَيْهِ بِحَاجَتِكَ، وَأَبْثَثْتَهُ(2) ذاتَ نَفْسِكَ(3)، وَشَكَوْتَ إِلَيْهِ هُمُومَك، وَاسْتَكْشَفْتَهُ كُرُوبَكَ(4)، وَاسْتَعَنْتَهُ عَلَى أُمُورِكَ، وَسَأَلْتَهُ مِنْ خَزَائِنِ رَحْمَتِهِ مَا لاَ يَقْدِرُ عَلَى إِعْطَائِهِ غيْرُهُ، مِنْ زِيَادَةِ الاَْعْمَارِ، وَصِحَّةِ الاَْبْدَانِ، وَسَعَةِ الاَْرْزَاقِ.
ثُمَّ جَعَلَ فِي يَدَيْكَ مَفاتِيحَ خَزَائِنِهِ بِمَا أَذِنَ لَكَ فِيهِ مِنْ مَسْأَلتِهِ، فَمَتَى شِئْتَ اسْتَفْتَحْتَ بِالدُّعَاءِ أَبْوَابَ نِعَمِهِ، وَاسْتَمْطَرْتَ شآبِيبَ(5) رَحْمَتِهِ، فَلاَ يُقَنِّطَنَّكَ(6) إِبْطَاءُ إِجَابَتِهِ، فَإِنَّ الْعَطِيَّةَ عَلَى قَدْرِ النِّيَّةِ، وَرُبَّمَا أُخِّرَتْ عَنْكَ الاِْجَابَةُ، لِيَكُونَ ذلِكَ أَعْظمَ لاَِجْرِ السَّائِلِ، وَأَجْزَلَ لِعَطَاءِ الاْمِلِ، وَرُبَّمَا سَأَلْتَ الشَّيْءَ فَلاَ تُؤْتاهُ، وَأُوتِيتَ خَيْراً مِنْهُ عَاجلاً أَوْ آجِلاً، أ َوْ صُرِفَ عَنْكَ
____________
1. أفْضَيْت: ألقيت. 2. أبثثته: كاشفته.
3. ذات النفس: حالتها.
4. اسْتَكْشَفْته كروبك: طلبت كشف غمومك.
5. شآبيب: جمع الشؤبوب بالضم، وهو الدفعة من المطر، وما أشبه رحمة الله بالمطر ينزل على الارض الموات فيحييها.
6. القنوط: اليأس.
لِمَا هُوَ خَيْرٌ لَكَ، فَلَرُبَّ أَمْر قَدْ طَلَبْتَهُ فِيهِ هَلاَكُ دِينِكَ لَوْ أُوتِيتَهُ، فَلْتَكُنْ مَسَأَلَتُكَ فِيَما يَبْقَى لَكَ جَمَالُهُ، وَيُنْفَى عَنْكَ وَبَالُهُ، فَالْمَالُ لاَ يَبْقَى لَكَ وَلاَ تَبْقَى لَهُ.
وَاعْلَمْ أَنَّكَ إِنَّمَا خُلِقْتَ لِلاْخِرَةِ لاَ لِلدُّنْيَا، وَلِلْفَنَاءِ لاَ لِلْبَقَاءِ، وَلِلْمَوْت لاَ لِلْحَيَاةِ، وَأَنَّكَ فِي مَنْزِلِ قُلْعَة(1)، وَدَارِ بُلْغَة(2)، وَطرِيق إِلَى الاْخِرَةِ، وَأَنَّكَ طَريدُ الْمَوْتِ الَّذِي لاَ يَنْجُو مِنْهُ هَارِبُهُ، وَلاَ بُدَّ أَنَّهُ مُدْرِكُهُ، فَكُنْ مِنْهُ عَلَى حَذرِ أَنْ يُدْرِكَكَ وَأَنْتَ عَلَى حَال سَيِّئَة، قَدْ كُنْتَ تُحَدِّثُ نفْسَكَ مِنْهَا بِالتَّوْبَةِ، فَيَحُولَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ ذلِكَ، فَإِذَا أَنْتَ قَدْ أَهْلَكتَ نَفْسَكَ.
[ذكر الموت]
يَا بُنَيَّ، أَكْثِرْ مِنْ ذِكْرِ الْمَوْتِ، وَذِكْرِ مَا تَهْجُمُ عَلَيْهِ، وَتُفْضِي بَعْدَ الْمَوْتِ إِلَيْهِ، حَتَّى يَأْتِيَكَ وَقَدْ أَخَذْتَ مِنْهُ حِذْرَكَ(3)، وَشَدَدْتَ لَهُ أَزْرَكَ(4)، وَلاَ
____________
1. قُلْعة ـ بضم القاف وسكون اللام وبضمتين وبضم ففتح ـ: يقال منزل قلعة أي لايُمْلَك لنازله، أولا يدري متى ينتقل عنه.
2. البُلْغة: الكفاية وما يتبلغ به من العيش.
3. الحِذْر ـ بالكسر ـ: الاحتراز والاحتراس.
4. الازْر ـ بالفتح ـ: القوة.
يَأْتِيَكَ بَغْتَةً فَيَبْهَرَكَ(1).
وَإِيَّاكَ أَنْ تَغْتَرَّ بِمَا تَرَى مِنْ إِخْلاَدِ أَهْلِ الدُّنْيَا(2) إِلَيْهَا، وَتَكَالُبِهِمْ(3) عَلَيْهَا، فَقَدْ نَبَّأَكَ اللهُ عَنْهَا، وَنَعَتْ(4) لَكَ نَفْسَهَا، وَتَكَشَّفَتْ لَكَ عَنْ مَسَاوِيهَا، فَإِنَّمَا أَهْلُهَا كِلاَبٌ عَاوِيَةٌ، وَسِبَاعٌ ضَارِيَةٌ(5)، يَهِرُّ(6) بَعْضُهَا بَعْضاً،يَأْكُلُ عَزِيزُهَا ذَلِيلَهَا، وَيَقْهَرُ كَبِيرُهَا صَغِيرَهَا، نَعَمٌ(7) مُعَقَّلَةٌ(8)، وَأُخْرَى مُهْمَلَةٌ، قَدْ أَضَلَّتْ(9)
____________
1. بهر ـ كمنع ـ: غلب، أي يغلبك على أمرك.
2. إخلاد أهل الدنيا: سكونهم إليها.
3. التكالب: التواثب.
4. نعاه: أخبر بموته، والدنيا تخبر بحالها عن فنائها.
5. ضارية: مولعة بالافتراس.
6. يهِرّ ـ بكسر الهاء ـ: يعوي وينبح، وأصلها هَرِير الكلب، وهو صوته دون حاجة من قلة صبره على البرد، فقد شبه الامام أهل الدنيا بالكلاب العاوية.
7. النّعَم ـ بالتحريك ـ: الابل.
8. مُعَقّلَة ـ من عَقّل البعير بالتشديد ـ: شدّ وَظِيفَهُ إلى ذراعه.
9. أضلّت: أضاعت.
عُقُولَهَا،رَكِبَتْ مَجْهُولَهَا(1)، سُرُوحُ(2) عَاهَة(3) بِوَاد وَعْث(4)، لَيْسَ لَهَا رَاع يُقيِمُهَا، وَلاَ مُسِيمٌ(5) يُسِيمُهَا، سَلَكَتْ بِهِِمُ الدُّنْيَا طَرِيقَ الْعَمَى، وَأخَذَتْ بِأَبْصَارِهِمْ عَنْ مَنَارِ الْهُدَى، فَتاهُوا فِي حَيْرَتِهَا، وَغَرِقُوا فِي نِعْمَتِهَا، وَاتَّخَذُواهَا رَبّاً، فَلَعِبَتْ بِهِمْ وَلَعِبُوا بِهَا، وَنَسُوا مَا وَرَاءَهَا.
[الترفق في الطلب]
رُوَيْداً يُسْفِرُ(6) الظَّلاَمُ، كَأَنْ قَدْ وَرَدَتِ الاَْظْعَانُ(7)، يُوشِكُ مَنْ أَسْرَعَ أَنْ يَلْحَقَ!
وَاعْلَمْ، أَنَّ مَنْ كَانَتْ مَطِيَّتُهُ اللَّيْلَ والنَّهَارَ، فَإِنَّهُ يُسَارُ بِهِ وَإِنْ كَانَ وَاقِفاً، وَيَقْطَعُ الْمَسَافَةَ وَإِنْ كَانَ مُقِيماً وَادِعاً(8).
____________
1. مجهولها: طريقها المجهول لها.
2. السُروح ـ بالضم ـ: جمع سَرْح ـ بفتح فسكون ـ وهو المال السارح السائم من إبل ونحوها.
3. العاهة: الافة، فالمراد بقوله: سروح عاهة، أنهم يسرحون لرعي الافات.
4. الوَعْث: الرخو يصعب السير فيه.
5. مُسيم: من أسام الدابة يسيمها: سرحها إلى المرعى.
6. يُسْفِر: يكشف.
7. الاظْعان: جمع ظعينة، وهي الهودج تركب فيه المرأة، عبر به عن المسافرين في طريق الدنيا إلى الاخرة.
8. الوادع: الساكن المستريح.
وَاعْلَمْ يَقِيناً، أَنَّكَ لَنْ تَبْلُغَ أَمَلَكَ، وَلَنْ تَعْدُوَ أَجَلَكَ، وَأَنَّكَ فِي سَبِيلِ مَنْ كَانَ قَبْلَكَ، فَخَفِّضْ(1) فِي الطَّلَبِ، وَأَجْمِلْ(2) فِي الْمُكْتَسَبِ، فَإِنَّهُ رُبَّ طَلَب قَدْ جَرَّ إِلَى حَرَب(3)، فَلَيْسَ كُلُّ طَالِب بِمَرْزُوق، وَلاَكُلُّ مُجْمِل بِمَحْروُم، وَأَكْرِمْ نَفْسَكَ عَنْ كُلِّ دَنِيَّة(4) وَإِنْ سَاقَتْكَ إِلَى الرَّغَائِبِ(5)، فَإِنَّكَ لَنْ تَعْتَاضَ بِمَا تَبْذُلُ مِنْ نَفْسِكَ عِوَضاً(6). وَلاَ تَكُنْ عَبْدَ غَيْرِكَ وَقَدْ جَعَلَكَ اللهُ حُرّاً. وَمَا خَيْرُ خَيْر لاَ يُنَالُ إِلاَّ بِشَرٍّ، ويُسْر(7) لاَ يُنَالُ إِلاَّ بِعُسْر(8)؟!
____________
1. خَفِّضْ: أمر من خَفّضَ ـ بالتشديد ـ أي ارفق.
2. اجمل في كَسْبِه: أي سعى سعياً جميلاً، لا يحرص فيمنع الحق، ولا يطمع فيتناول ما ليس بحق.
3. الحَرَب ـ بالتحريك ـ: سلب المال.
4. الدَنِيّة: الشيء الحقير المبتذل.
5. الرغائب: جمع رغيبة، وهي ما يرغب في اقتنائه من مال وغيره.
6. عِوَضاً: بدلاً.
7. اليُسْر: السهولة، والمراد سعة العيش.
8. العُسْر: الصعوبة، والمراد ضيق العيش.
وَإِيَّاكَ أَنْ تُوجِفَ(1) بِكَ مَطَايَا(2) الطَّمَعِ، فَتُورِدَكَ مَنَاهِلَ(3) الْهَلَكَةِ(4)، وَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَلاَّ يَكُونَ بَيْنَكَ بَيْنَ اللهِ ذُونِعْمَة فَافْعَلْ، فإِنَّكَ مُدْرِكٌ قِسْمَكَ، وَآخِذٌ سَهْمَكَ، وَإِنَّ الْيَسِيرَ مِنَ اللهِ سُبْحَانَهُ أَكْرَمُ أَعْظَمُ مِنَ الْكَثِيرِ مِنْ خَلْقِهِ وَإِنْ كَانَ كُلٌّ مِنْهُ.
[وصايا شتّى]
وَتَلاَفِيكَ(5) مَا فَرَطَ(6) مِنْ صَمْتِكَ أَيْسَرُ مِنْ إِدْرَاكِكَ مَا فَاتَ(7) مِنْ مَنْطِقِكَ، وَحِفْظُ مَا فِي الْوِعَاءِ بِشَدِّ الْوِكَاءِ(8)، وَحِفْظُ مَا فِي يَدَيْكَ أَحَبُّ
____________
1. تُوجِف: تسرع.
2. المَطَايَا: جمع مطية، وهي ما يركب ويمتطى من الدواب ونحوها.
3. المَناهل: ما ترده الابل ونحوها للشرب.
4. الهلكة: الهلاك والموت.
5. التلافي: التدارك لا صلاح ما فسد أو كاد.
6. ما فرط أي: قصر عن إفادة الغرض أوإنالة الوطَر.
7. إدراك ما فات: هو اللحاق به لاجل استرجاعه، وفات: أي سبق إلى غير عودة.
8. بشدّ وكائها: أي رباطها.
إِلَيَّ مِنْ طَلَبِ مَا فِي يَدَيْ غَيْرِكَ، وَمَرَارَةُ الْيَأْسِ خَيْرٌ مِنَ الطَّلَبِ إِلَى النَّاسِ، وَالْحِرْفَةُ مَعَ الْعِفَّةِ خَيْرٌ مِنَ الْغِنَى مَعَ الْفُجُورِ، وَالْمَرْءُ أَحْفَظُ لِسِرِّهِ(1)، وَرُبَّ سَاعِ فِيَما يَضُرُّهُ! مَنْ أَكْثَرَ أَهْجَرَ(2)، وَمَنْ تَفَكَّرَ أَبْصَرَ، قَارِنْ أهْلَ الْخَيْرِ تَكُنْ مِنْهُمْ، وَبَايِنْ أَهْلَ الشَّرِّ تَبِنْ عَنْهُمْ، بِئْسَ الطَّعَامُ الْحَرَامُ! وَظُلْمُ الضَّعِيفِ أَفْحَشُ الظُّلْمِ، إِذَا كَانَ الرِّفْقُ خُرْقاً(3) كَانَ الْخُرْقُ رِفْقاً، رُبَّمَا كَانَ الدَّوَاءُ دَاءً، وَالدَّاءُ دَوَاءً، وَرُبَّمَا نَصَحَ غَيْرُ النَّاصِحِ، وَغَشَّ الْمُسْتَنْصَحُ(4).
وَإِيَّاكَ وَالاتِّكَالَ عَلَى الْمُنَى(5)، فَإِنَّهَا بَضَائِعُ النَّوْكَى(6)، وَالْعَقْلُ حِفْظُ التَّجَارِبِ، وَخَيْرُ مَا جَرَّبْتَ مَا وَعَظَكَ، بَادِرِ الْفُرْصَةَ قَبْلَ أَنْ تَكُونَ غُصَّةً، لَيْسَ كُلُّ طَالِب يُصِيبُ، وَلاَ كُلُّ غَائِب يَؤُوبُ، وَمِنَ الْفَسَادِ إِضَاعَةُ الزَّادِ،
____________
1. أحْفَظُ لسرّه: أشد صوناً له وحرصاً على عدم البوح به.
2. أهجرَ إهجاراً وهُجْراً ـ بالضم ـ: هذى يهذي في كلامه.
3. الخُرْق ـ بالضم ـ: العنف.
4. المُسْتَنْصَح ـ اسم مفعول ـ: المطلوب منه النصح.
5. المُنى ـ جمع منية بضم فسكون ـ: ما يتمناه الشخص لنفسه ويعلل نفسه باحتمال الوصول إليه.
6. النّوكى: جمع أنوك، وهو كالاحمق وزناً ومعنى.
وَمَفْسَدَةُ الْمَعَادِ، وَلِكُلِّ أَمْر عَاقِبَةٌ، سَوْفَ يَأْتيِكَ مَا قُدِّرَ لَكَ، التَّاجِرُ مُخَاطِرٌ، وَرُبَّ يَسِير أَنْمَى مِنْ كَثِير! لاَ خَيْرَ فِي مُعِين مَهِين(1)، وَلاَ فِي صَدِيق ظَنِين(2)، سَاهِلِ الدَّهْرَ(3) مَا ذَلَّ لَكَ قَعُودُهُ(4)، وَلاَ تُخَاطِرْ بِشَيء رَجَاءَ أَكْثَرَ مِنْهُ، وَإِيَّاك أَنْ تَجْمَحَ بِكَ مَطِيَّةُ اللَّجَاجِ(5).
احْمِلْ نَفْسَكَ مِنْ أَخِيكَ عِنْدَ صَرْمِهِ(6) عَلَى الصِّلَةِ(7)، وَعِنْدَ صُدُودِهِ(8) عَلَى اللَّطَفِ(9) وَالْمُقَارَبَةِ، وَعِنْدَ جُمُودِهِ(10) عَلَى الْبَذْلِ(11)،
____________
1. مَهِين ـ بفتح الميم ـ: بمعنى حقير، والحقير لا يصلح أن يكون مُعيناً.
2. الظَنِين ـ بالظاء ـ: المتهم.
3. ساهِلِ الدهر: خذ حظك منه بسهولة ويسر.
4. القَعُود ـ بفتح أوله ـ: الجمل الذي يقتعده الراعي في كل حاجته، وللفصيل، أي: ساهل الدهر ما دام منقاداً وخذ حظك من قياده.
5. المَطِيّة: ما يركب ويمتطي. واللَجاج ـ بالفتح ـ: الخصومة.
6. صَرْمِهِ: قطيعته.
7. الصِلَة: الوصال، وهو ضد القطيعة.
8. الصُدود: الهجر.
9. اللّطَف ـ بفتح اللام والطاء ـ: الاسم من ألطفه بكذا أي برّه به.
10. جموده: بخله.
11. البَذْل: العطاء.
وَعِنْدَ تَبَاعُدِهِ عَلَى الدُّنُوِّ، وَعِنْدَ شِدَّتِهِ عَلَى اللِّينِ، وَعِنْدَ جُرْمِهِ عَلَى الْعُذْرِ، حَتَّى كَأَنَّكَ لَهُ عَبْدٌ، وَكَأَنَّهُ ذُونِعْمَة عَلَيْكَ.
وَإِيَّاكَ أَنْ تَضَعَ ذلِكَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ، أَوْ أَنْ تَفْعَلَهُ بِغَيْرِ أَهْلِهِ، لاَ تَتَّخِذَنَّ عَدُوَّ صَدِيقِكَ صَدِيقاً فَتُعَادِيَ صَدِيقَكَ، وَامْحَضْ أَخَاكَ النَّصِيحَةَ، حَسَنةً كَانَتْ أَمْ قَبِيحَةً، وَتَجَرَّعِ الْغَيْظَ(1)، فَإِنِّي لَمْ أَرَ جُرْعَةً أَحْلَى مِنْهَا عَاقِبَةً، وَلاَ أَلَذَّ مَغَبَّةً(2)، وَلِنْ(3) لِمَنْ غَالَظَكَ(4)، فَإِنَّهُ يُوشِكُ أَنْ يَلِينَ لَكَ، وَخُذْ عَلَى عَدُوِّكَ بِالْفَضْلِ فإِنَّهُ أَحْلَى الظَّفَرَيْنِ، وَإِنْ أَرَدْتَ قَطِيعَةَ أَخِيكَ فَاسْتَبْقِ لَهُ مِنْ نَفْسِكَ بَقِيَّةً يَرْجِعُ إِلَيْهَا إِنْ بَدَا لَهُ ذلِكَ يَوْماً مَا، وَمَنْ ظَنَّ بِكَ خَيْراً فَصَدِّقْ ظَّنهُ، وَلاَ تُضِيعَنَّ حَقَّ أَخِيكَ اتِّكَالاً عَلَى مَا بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ، فَإِنَّهُ لَيْسَ لَكَ بِأَخ
____________
1. الغيظ: الغضب الشديد.
2. المَغَبّة ـ بفتحتين ثم باء مشددة ـ: بمعنى العاقبة.
3. لِنْ: أمر من اللين ضد الغلظ والخشونة.
4. غالظلك: عاملك بغلظ وخشونة.
مَنْ أَضَعْتَ حَقَّه، وَلاَ يكُنْ أَهْلُكَ أَشْقَى الْخَلْقِ بِكَ وَلاَ تَرْغَبَنَّ فِيمَنْ زَهِدَ فِيكَ، وَلاَ يَكُونَنَّ أَخُوكَ أَقْوَى عَلَى قَطِيعَتِكَ مِنْكَ عَلَى صِلَتِهِ، وَلاَ تكُونَنَّ عَلَى الاِْسَاءَةِ أَقْوَى مِنْكَ عَلَى الاِْحْسَانِ، وَلاَ يَكْبُرَنَّ عَلَيْكَ ظُلْمُ مَنْ ظَلَمَكَ، فَإِنَّهُ يَسْعَى فِي مَضَرَّتِهِ وَنَفْعِكَ، وَلَيْسَ جَزَاءُ مَنْ سَرَّكَ أَنْ تَسُوءَهُ.
وَاعْلَمْ يَا بُنَيَّ، أَنَّ الرِّزْقَ رِزْقَانِ: رِزْقٌ تَطْلُبُهُ، وَرِزْقٌ يَطْلُبُكَ، فَإِنْ أَنْتَ لَمْ تَأْتِهِ أَتَاكَ، مَا أَقْبَحَ الْخُضُوعَ عِنْدَ الْحَاجَةِ، وَالْجَفَاءَ عِنْدَ الْغِنَى! إِنَّمَا لَكَ مِنْ دُنْيَاكَ، مَا أَصْلَحْتَ بِهِ مَثْوَاكَ(1)، وَإِنْ جَزِعْتَ عَلَى مَا تَفَلَّتَ(2) مِنْ يَدَيْكَ، فَاجْزَعْ عَلَى كُلِّ مَا لَمْ يَصِلْ إِلَيْكَ.
اسْتَدِلَّ عَلَى مَا لَمْ يَكُنْ بِمَا قَدْ كَانَ، فَإِنَّ الاُْمُورَ أَشْبَاهٌ، وَلاَ تَكُونَنَّ مِمَّنْ لاَ تَنْفَعُهُ الْعِظَةُ إِلاَّ إِذَا بَالَغْتَ فِي إِيلاَمِهِ، فَإِنَّ الْعَاقِلَ يَتَّعِظُ بِالاَْدَبِ، وَالْبَهَائِمَ لاَ تَتَّعِظُ إِلاَّ بِالضَّرْبِ.
اطْرَحْ عَنْكَ وَارِدَاتِ الْهُمُومِ بِعَزَائِمِ الصَّبْرِ وَحُسْنِ الْيَقِينِ، مَنْ تَرَكَ الْقَصْدَ(3) جَارَ(4)، وَالصَّاحِبُ مُنَاسِبٌ(5)، وَالصَّدِيقُ مَنْ صَدَقَ غَيْبُهُ(6)،
____________
1. مثواك: مُقامك، من ثوى يثوي: أقام يقيم، والمراد ـ هنا ـ منزلتك من الكرامة.
2. تفلّت ـ بتشديد اللام ـ أي: تملّص من اليد فلم تحفظه.
3. القصد: الاعتدال.
4. جار: مال عن الصواب.
5. الصاحِب مناسب: أي يراعى فيه ما يراعى في قرابة النسب.
6. الغيْب: ضد الحضور، أي من حفظ لك حقك وهو غائب عنك.
وَالْهَوَى(1) شَرِيكُ الْعَمَى، رُبَّ بَعِيد أَقْرَبُ مِنْ قَرِيب، وَقَرِيب أَبْعَدُ مِنْ بَعِيد، وَالْغَرِيبُ مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَبِيبٌ، مَنْ تَعَدَّى الْحَقَّ ضَاقَ مَذْهَبُهُ، وَمَنِ اقْتَصَرَ عَلَى قَدْرِهِ كَانَ أَبْقَى لَهُ، وَأوْثَقُ سَبَب أَخَذْتَ بِهِ سَبَبٌ بَيْنَكَ وَبَيْنَ اللهِ سُبْحَانَهُ، وَمَنْ لَمْ يُبَالِكَ(2) فَهُوَ عَدُوُّكَ، قَدْ يَكُونُ الْيَأْسُ إِدْرَاكاً، إِذَا كَانَ الطَّمَعُ هَلاَكاً، لَيْسَ كُلُّ عَوْرَة تَظْهَرُ، وَلاَ كُلُّ فُرْصَة تُصَابُ، وَرُبَّمَا أَخْطَأَ الْبَصِيرُ قَصْدَهُ،أَصَابَ الاَْعْمَى رُشْدَهُ.
أَخِّرِ الشَّرَّ، فَإِنَّكَ إِذَا شِئْتَ تَعَجَّلْتَهُ(3)، وَقَطِيعَةُ الْجَاهِلِ تَعْدِلُ صِلَةَ الْعَاقِلِ، مَنْ أَمِنَ الزَّمَانَ خَانَهُ، وَمَنْ أَعْظَمَهُ(4) أَهَانَهُ، لَيْسَ كُلُّ مَنْ رَمَى أَصَابَ، إِذَا تَغَيَّرَ السُّلْطَانُ تَغَيَّرَ الزَّمَانُ.
سَلْ عَنِ الرَّفِيقِ قَبْلَ الطَّرِيقِ، وَعَنِ الْجَارِ قَبْلَ الدَّارِ.
إِيَّاكَ أَنْ تَذْكُرَ مِنَ الْكَلاَمِ مَا يَكُونُ مُضْحِكاً، وَإِنْ حَكَيْتَ ذلِكَ عَنْ غَيْرِكَ.
____________
1. الهوى: شهوة غير منضبطة ولا مملوكة بسلطان الشرع والادب. 2. لم يُبَالِكَ أي: لم يهتم بأمرك، باليته وباليت به أي: راعيته واعتنيت به.
3. تَعَجّلْتَه: استبقت حدوثه.
4. أعظمه: هابَهُ وأكبر من قدره.
[الرأي في المرأة]
وَإِيَّاكَ وَمُشَاوَرَةَ النِّسَاءِ، فَإِنَّ رَأَيَهُنَّ إِلَى أَفْن(1)، وَعَزْمَهُنَّ إِلَى وَهْن(2).
وَاكْفُفْ عَلَيْهِنَّ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ بِحِجَابِكَ إِيَّاهُنَّ، فَإِنَّ شِدَّةَ الْحِجَابِ أَبْقَى عَلَيْهِنَّ، وَلَيْسَ خُرُوجُهُنَّ بِأَشَدَّ مَنْ إِدْخَالِكَ مَنْ لاَيُوثَقُ بِهِ عَلَيْهِنَّ، وَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَلاَّ يَعْرِفْنَ غَيْرَكَ فَافْعَلْ.
وَلاَ تُمَلِّكِ الْمَرْأَةَ مِنْ أَمْرِهَا مَا جَاوَزَ نَفْسَهَا، فَإِنَّ الْمَرْأَةَ رَيْحَانَةٌ، وَلَيْسَتْ بِقَهْرَمَانَة(3).
وَلاَ تَعْدُ(4) بِكَرَامَتِهَا نَفْسَهَا، وَلاَ تُطْمِعْهَا أَنْ تَشْفَعَ لِغَيْرِهَا.
وَإِيَّاكَ وَالتَّغايُرَ(5) فِي غَيْرِ مَوْضِعِ غَيْرَة، فَإِنَّ ذلِكَ يَدْعُوالصَّحِيحَةَ إِلَى
____________
1. الافْن ـ بالسكون ـ: النقص.
2. الوَهْن: الضعف.
3. القَهْرَمان: الذي يحكم في الامور ويتصرف فيها بأمره.
4. لاتَعْدُ ـ بفتح فسكون ـ أي: لا تجاوز بإكرامها نفسها فتكرم غيرها بشفاعتها.
5. التغاير: إظهار الغيرة على المرأة بسوء الظن في حالها من غير موجب.
السَّقَمِ، وَالْبَرِيئَةَ إِلَى الرِّيَبِ.
وَاجْعَلْ لِكُلِّ إِنْسَان مِنْ خَدَمِكَ عَمَلاً تَأْخُذُهُ بِهِ، فَإِنَّهُ أَحْرَى أَلاَّ يَتَوَاكَلُوا(1) فِي خِدْمَتِكَ.
وَأَكْرِمْ عَشِيرَتَكَ، فَإِنَّهُمْ جَنَاحُكَ الَّذِي بِهِ تَطِيرُ، وَأَصْلُكَ الَّذِي إِلَيْهِ تَصِيرُ، وَيَدُكَ الَّتي بِهَا تَصُولُ.
[دعاء]
أسْتَوْدِعُ اللهَ دِينَكَ وَدُنْيَاكَ، وَأسْأَلُهُ خَيْرَ الْقَضَاءِ لَكَ فِي الْعَاجِلَةِ وَالاْجِلَةِ، وَالدُّنْيَا وَالاْخِرَةِ، إنْ شَاءَاللهُ
____________
1. يتواكلوا: يتكل بعضهم على بعض.
[ 32 ]
وَأَرْدَيْتَ(1) جِيلاً مِنَ النَّاسِ كَثِيراً، خَدَعْتَهُمْ بِغَيِّكَ(2)، وَأَلْقَيْتَهُمْ فِي مَوْجِ
بَحْرِكَ، تَغْشَاهُمُ الظُّلُمَاتُ،تَتَلاَطَمُ بِهِمُ الشُّبُهَاتُ، فَجاروا عَنْ وِجْهَتِهِمْ(3)، وَنَكَصُوا(4) عَلَى أَعْقَابِهِمْ، وَتَوَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ، وَعَوَّلُوا(5) عَلَى أحْسَابِهِمْ، إِلاَّ مَنْ فَاءَ(6) مِنْ أَهْلِ الْبَصَائِرِ، فَإِنَّهُمْ فَارَقُوكَ بَعْدَ مَعْرِفَتِكَ، وَهَرَبُوا إِلَى اللهِ سُبحانَهُ مِنْ مُوَازَرَتِكَ(7)، إِذْ حَمَلْتَهُمْ عَلَى الصَّعْبِ، وَعَدَلْتَ بِهِمْ عَنِ الْقَصْدِ.
فَاتَّقِ اللهَ يَا مُعَاوِيَةُ فِي نَفْسِكَ، وَجَاذِبِ الشَّيْطَانَ(8) قيَادَكَ(9)، فَإِنَّ الدُّنْيَا مُنْقَطِعَةٌ عَنْكَ، وَالاْخِرَةَ قَرِيبَةٌ مِنْكَ، وَالسَّلاَمُ.
____________
1. أرْدَيْت: أهلكت جيلاً، أي قبيلاً وصنفاً.
2. الغَيّ: الضلال، ضد الرشاد.
3. وِجهتهم ـ بكسر الواوـ أي: جهة قصدهم.
4. نكصوا: رجعوا.
5. عوّلوا: أي اعتمدوا.
6. فاء: رجع، والمراد هنا الرجوع إلى الحق.
7. المُوازَرَة: المعاضدة.
8. جاذب الشيطان أي: إذا جذبك الشيطان فامنع نفسك من متابعته.
9. القِياد: ما تقاد به الدابة.
[ 33 ]
أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ عَيْنِي(1) ـ بِالْمَغْرِبِ(2) ـ كَتَبَ إِلَيَّ يُعْلِمُنِي أَنَّهُ وُجِّهَ إِلَى المَوْسِمِ(3) أُنَاسٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ، الْعُمْيِ الْقُلُوبِ، الصُمِّ الاَْسْمَاعِ، الْكُمْهِ(4) الاَْبْصَارِ، الَّذِينَ يَلْتَمِسُونَ الْحَقَّ بِالبَاطِلِ، وَيُطِيعُونَ الْـمَخْلُوقَ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ، وَيَحْتَلِبُونَ الدُّنْيَا(5) دَرَّهَا(6) بِالدِّينِ، وَيَشْتَرُونَ عَاجِلَهَا بِآجِلِ الاَْبْرَارِ الْمُتَّقِينَ، وَلَنْ يَفُوزَ بِالْخَيْرِ إِلاَّ عَامِلُهُ، وَلاَ يُجْزَى جَزَاءَ الشَّرِّ إِلاَّ فَاعِلُهُ.
____________
1. عَيْنى: أي رقيبي الذي يأتيني بالاخبار.
2. بالمغرب: بالاقاليم الغربية.
3. يراد بالموسم هنا: الحج.
4. الكُمْه: جمع أكمه، وهو من ولد أعمى.
5. يحتلبون الدنيا: يستخلصون خيرها.
6. الدَرّ ـ بالفتح ـ: اللبن.
فَأَقِمْ عَلَى مَا فِي يَدَيْكَ قِيَامَ الْحَازِمِ الصَّلِيبِ(1)، وَالنَّاصِحِ اللَّبِيبِ، التَّابِعِ لِسُلْطَانِهِ، الْمُطِيعِ لاِِمَامِهِ.
وَإِيَّاكَ وَمَا يُعْتَذَرُ مِنْهُ، وَلاَ تَكُنْ عِنْدَ النَّعْمَاءِ(2) بَطِراً(3)، وَلاَ عِنْدَ الْبَأْسَاءِ(4) فَشِلاً(5)، وَالسَّلاَمُ.
[ 34 ]
لما بلغه توجّده(6) من عزله بالاشتر عن مصر، ثم توفي الاشتر في توجهه إلى هناك قبل وصوله إليها
وَقَدْ بَلَغَنِي مَوْجِدَتُكَ(7) مِنْ تَسْرِيحِ(8) الاَْشْتَرِ إِلَى عَمَلِكَ(9)، وَإِنِّي لَمْ
____________
1. الصليب: الشديد.
2. النَعْماء: الرخاء والسعة.
3. البَطِر: الشديد الفرح مع ثقة بدوام النعمة.
4. البَأساء: الشدة.
5. فَشِلاً: جباناً ضعيفاً.
6. توجّده: تكدّره.
7. مَوْجِدتك أي: غيظك.
8. التسريح: الارسال.
9. العمل ـ هنا ـ: الولاية.
أَفْعَلْ ذلِكَ اسْتِبْطَاءً لَكَ فِي الجَهْدِ، وَلاَ ازدِياداً لَكَ فِي الْجِدِّ، وَلَوْ نَزَعْتُ مَا تَحْتَ يَدِكَ مِنْ سُلْطَانِكَ، لَوَلَّيْتُكَ مَا هُوَ أَيْسَرُ عَلَيْكَ مَؤُونَةً، وَأَعْجَبُ إِلَيْكَ وِلاَيَةً.
إِنَّ الرَّجُلَ الَّذِي كُنْتُ وَلَّيْتُهُ أَمْرَ مِصْرَ كَانَ رَجُلاً لَنَا نَاصِحاً، وَعَلَى عَدُوِّنَا شَدِيداً نَاقِماً(1)، فَرَحِمَهُ اللهُ! فَلَقَدِ اسْتَكْمَلَ أَيَّامَهُ، وَلاَقَى حِمَامَهُ(2)، وَنَحْنُ عَنْهُ رَاضونَ، أَوْلاَهُ اللهُ رِضْوَانَهُ، وَضَاعَفَ الثَّوَابَ لَهُ.
فَأَصْحِرْ(3) لِعَدُوِّكَ، وَامْضِ عَلَى بَصيرَتِكَ، وَشَمِّرْ لِحَرْبِ مَنْ حَارَبَكَ، وَادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ، وَأَكْثِرِ الاسْتِعَانَةَ بِاللهِ يَكْفِكَ مَا أَهَمَّكَ، وَيُعِنْكَ عَلَى مَا يُنْزِلُ بِكَ، إِنْ شَاءَ اللهُ.
____________
1. ناقماً: أي كارهاً.
2. الحِمام ـ بالكسر ـ: الموت.
3. أصْحِرْ له أي: ابرزْ له، من أصحر: إذا برز للصحراء.
____________
1. مُقِرّاً للضيم: راضياً بالظلم.
2. واهناً: ضعيفاً.
3. السَلِس ـ بفتح فكسر ـ: السهل.
4. الزمام: العنان الذي تقاد به الدابة.
5. الوطِىء: اللين.
6. صليب: شديد.
7. يعز عليّ: يشق عليّ.
8. الكآبة: ما يظهر على الوجه من أثر الحزن.
[ 37 ]
فَسُبْحَانَ الله! مَا أَشَدَّ لُزُومَكَ لِلاَْهْوَاءِ الْمُبْتَدَعَةِ، وَالْحَيْرَةِ الْمُتَّبَعَةِ(2)، مَعَ تَضْيِيعِ الْحَقَائِقِ وَاطِّرَاحِ الْوَثَائِقِ، الَّتِي هِيَ لله طِلْبَةٌ(3)، وَعَلَى عِبَادِهِ حُجَّةٌ.
فَأَمَّا إِكْثَارُكَ الْحِجَاجَ(4) فِي عُثْمانَ وَقَتَلَتِهِ، فَإِنَّكَ إِنَّمَا نَصَرْتَ عُثْمانَ حَيْثُ كَانَ النَّصْرُ لَكَ، وَخَذَلْتَهُ حَيْثُ كَانَ النَّصْرُ لَهُ، وَالسَّلاَمُ.
____________
1. عاد: أي عدوّ.
2. الحَيْرَة المُتّبعة: اسم مفعول من اتّبعه، والحَيْرة ـ هنا ـ بمعنى الهوى الذي يتردد الانسان في قبوله.
3. طِلْبَة ـ بالكسر وبفتح فكسر ـ: مطلوبة.
4. الحِجاج ـ بالكسر ـ: الجدال.
[ 38 ]
مِنْ عَبْدِ اللهِ عَلِيّ أَمِيرِالْمُؤْمِنينَ، إِلَى الْقَومِ الَّذِينَ غَضِبُوا لله حِينَ عُصِيَ فِي
أَرْضِهِ، وَذُهِبَ بِحَقِّهِ، فَضَرَبَ الْجَوْرُ(1) سُرَادِقَهُ(2) عَلَى الْبَرِّ(3) وَالْفَاجِرِ، وَالْمُقِيمِ وَالظَّاعِنِ(4)، فَلاَ مَعْرُوفٌ يُسْتَرَاحُ إِلَيْهِ(5)، وَلاَ مُنْكَرٌ يُتَنَاهَى عَنْهُ.
أَمَّا بَعْدُ، فَقَدْ بَعَثْتُ إِلَيْكُمْ عَبْداً مِنْ عِبَادِاللهِ عَزَّوَجَلَّ، لاَيَنَامُ أَيَّامَ الخَوْفِ، وَلاَ يَنْكُلُ عَنِ(6) الاَْعْدَاءِ سَاعَاتِ الرَّوْعِ(7)، أَشَدَّ عَلَى الْفُجَّارِ مِنْ حَرَيقِ النَّارِ، وَهُوَ مَالِكُ بْنُ الْحَارِثِ أَخُو مَذْحِج(8)، فَاسْمَعُوا لَهُ أَطِيعُوا أَمْرَهُ فِيَما
____________
1. الجَوْر: الظلم والبغي.
2. السُرادِق ـ بضم السين ـ: الغطاء الذي يمد فوق صحن البيت.
3. البَرّ ـ بفتح الباء ـ: التقي.
4. الظاعن: المسافر.
5. يستراح إليه: يعمل به، وأصله استراح إليه، بمعنى: سكن واطمأن، والسكون إلى المعروف يستلزم العمل به.
6. نَكَلَ عنه ـ كضرب ونصر وعلم ـ: نكص وجبن.
7. الرّوْع: الخوف.
8. مَذْحِج ـ كمجلس ـ: قبيلة مالك، وأصله اسم أكمة ولد عندها أبو القبيلتين طيّىء ومالك، فسميت قبيلتاهما به.
طَابَقَ الْحَقَّ، فَإِنَّهُ سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللهِ، لاَ كَلِيلُ(1) الظُّبَةِ(2)، وَلاَ نَابِي(3) الضَّرِيبَةِ(4)، فَإِنْ أَمَرَكُمْ أَنْ تَنْفِرُوا فانْفِرُوا، وَإِنْ أَمَرَكُمْ أَنْ تُقيِمُوا فَأَقِيمُوا، فَإِنَّهُ لاَ يُقْدِمُ وَلاَ يُحْجِمُ، وَلاَ يُؤَخِّرُ وَلاَ يُقَدِّمُ إِلاَّ عَنْ أَمْرِي، وَقَدْ آثَرْتُكُمْ بِهِ(5) عَلَى نَفْسِي لِنَصِيحَتِهِ لَكُمْ، وَشِدَّةِ شَكِيمَتِهِ(6) عَلَى عَدُوِّكُمْ.
____________
1. الكليل: الذي لايقطع.
2. الظُّبَة ـ بضم ففتح مخفف ـ: حد السيف والسنان ونحوها.
3. النابي من السيوف: الذي لايقطع.
4. الضريبة: المضروب بالسيف، وإنما دخلت التاء في ضريبة ـ وهي بمعنى المفعول ـ لذهابها مذهب الاسماء كالنطيحة والذبيحة.
5. آثرتكم: خصصتكم به وأنا في حاجة اليه، تقديماً لنفعكم على نفعي.
6. الشكيمة في اللجام: الحديدة المعرضة في فم الفرس، ويعبر بشدتها عن قوة النفس وشدة البأس.
[ 39 ]
فَإِنَّكَ جَعَلْتَ دِينَكَ تَبْعاً لِدُنْيَا امْرِىء ظَاهِر غَيُّهُ، مَهْتُوك سِتْرُهُ، يَشِينُ الْكَرِيمَ بِمَجْلِسِهِ، وَيُسَفِّهُ الْحَلِيمَ بِخِلْطَتِهِ، فَاتَّبَعْتَ أَثَرَهُ، وَطَلَبْتَ فَضْلَهُ،
اتِّبَاعَ الْكَلْبِ لِلضِّرْغَامِ(1)، يَلُوذُ إلَى مَخَالِبِهِ، وَيَنْتَظِرُ مَا يُلْقَى إِلَيْهِ مِنْ فَضْلِ فَرِيسَتِهِ، فَأَذْهَبْتَ دُنْيَاكَ وَآخِرَتَكَ! وَلَوْ بِالْحَقِّ أَخَذْتَ أَدْرَكْتَ مَا طَلَبْتَ، فَإِنْ يُمَكِّنِ اللهُ مِنْكَ وَمِنِ ابْنِ أَبِي سُفْيَانَ أَجْزِكُمَا بِمَا قَدَّمْتُما، وَإِنْ تُعْجِزَا(2)وَتَبْقَيَا فَمَا أَمَامَكُمَا شَرٌ لَكُمَا، وَالسَّلاَمُ.
[ 40 ]
أَمَّا بَعْدُ، فَقَدْ بَلَغَنِي عَنْكَ أَمْرٌ، إِنْ كُنْتَ فَعَلْتَهُ فَقَدْ أَسْخَطْتَ رَبَّكَ، وَعَصَيْتَ إِمَامَكَ، وَأَخْزَيْتَ أَمَانَتَكَ(3).
بَلَغَنِي أَنَّكَ جَرَّدْتَ الاَْرْضَ(4) فأَخَذْتَ مَا تَحْتَ قَدَمَيْكَ، وَأَكَلْتَ مَا تَحْتَ يَدَيْكَ، فَارْفَعْ إِلَيَّ حِسَابَكَ، وَاعْلَمْ أَنَّ حِسَابَ اللهِ أَعْظَمُ مِنْ حِسَابِ النَّاسِ، وَالسَّلاَمُ.
____________
1. الضِرْغام: الاسد.
2. إن تُعْجزا: توقعاني في العجز، من أعجز يعجز إعجازاً، والمراد: أن تعجزاني عن الايقاع بكما فأمامكما حساب الله.
3. أخْزَيْت أمانتك: ألصقت بأمانتك خَزْية ـ بالفتح ـ أي رزية أفسدتها وأهانتها.
4. جرّدت الارض: قشّرتها، والمعنى أنه نسبه إلى الخيانة في المال، وإلى إخراب الضياع.
ومن كتاب له (عليه السلام)
إلى معاويةالصفحة 657
![]()
ومن كتاب له (عليه السلام)
إلى قُثَمَ بن العبّاس، وهو عامله على مكّةالصفحة 658
![]()
ومن كتاب له (عليه السلام)
إلى محمد بن أبي بكرالصفحة 659
![]()
الصفحة 660
![]()
الصفحة 664
![]()
ومن كتاب له (عليه السلام)
إلى معاويةالصفحة 665
![]()
ومن كتاب له (عليه السلام)
إلى أهل مصر، لما ولّى عليهم الاشتر رحمه اللهالصفحة 666
![]()
الصفحة 667
![]()
ومن كتاب له (عليه السلام)
إلى عمروبن العاص
ومن كتاب له (عليه السلام)
إلى بعض عمالهالصفحة 668
![]()